ابن عربي

89

الشجرة النعمانية ( شرح القونوي )

فظهر وشرع في إنشاء بستان ذي أفنان ، ففيه من كل وليد وقهرمان ، ومن الحور الحسان ، والنخيل والرمان ضروب وألوان ، ينساب فيها الجداول انسياب الشعابين بين تلك الأزهار والبساتين ، وأنشأ فيها قصورا من الذهب والفضة البيضاء ، وأسكنها من كل جارية غضاء ، وفرشها بالحرير من السندس والإستبرق والعبقري المرفود . وجعل حصباءها الياقوت والمرجان ، والزمرد ، والجوهر وترابها المسك ، فثبت الملك . وآكامها العنبر . ثم شرع في بناء دار [ أخرى ] ذات لهب وسعير ، وبرد وزمهرير ، وقيود وأغلال ، وسرابيل من قطران وأفاعي كأنها النحت ، وأساور عظيمة السحت ، وعقارب مكنونة من الشحت ، وبيوت مظلمة ومسالك ضيقة ، وكروب ، وغموم ، ومصائب ، وهموم . ثم أشرف الملك على الدّارين فقال : انظر ما بين المنزلتين فرأى ما رآه ، وسأله ما السبب الذي دعاه ؟ فقال الحكيم : جعلت لك هذه الدار دار الرضا ، تنعم بها من أطاعك وأولاك ، وجعلت هذه الأخرى دار الغضب تعذب بها من عصاك وعاداك . واعلم : أن اللّه تعالى ما أسكنك في هذه الدّار إلّا لتجعلها دار اعتبار ، فتتفكر وتعتبر ، وتتذكر وتزدجر ، وتعظم من سوّاك وعدلك ، وصوّرك فجمّلك ، وأولاك وملكك وعلمك ، وإن كنت طائعا لربك عادلا لرعيتك فتصير إلى النعيم عند اللّه تعالى ، كما تصير أنت ومن أطاعك إلى هذا النعيم . وإن كنت عاصيا جائرا ، في حكمك ظالما ، فستصير إلى ضيق وعذاب أليم ، فخف ربك ودينك وأصلح مع اللّه قلبك ، وأنذر قومك ، وطهر ثوبك ، ولا يحجبك سلطان عادتك ، عن تحصيل أسباب سعادتك ، فإن الدنيا لمحة بارق ، وخيال طارق . كم ملك مثلك قد ملكها ، ثم رحل عنها وتركها ، ولا بد لك من الرحلة عنها إلى الأخرى . فإمّا أن يعمر درجها وإمّا أن يعمر دركها . واعلم : أن اللّه تعالى قد جعلك ملكا على خلقه ، وأقامك بين الحق والباطل في مقام حقّه ، لا لقصور قدرته عن صلاح الخلق وتدبيره ، وتصريفه في إظهار الملك وتسخيره ، وإنما ضرب لك بك مثالا في عالم الفناء ، لتستدل به على ترتيب الملك الإلهي في دار البقاء ، ولهذا جعل في هذه الدنيا ظلا زائلا ، وغرضا مائلا ، وجعلك عنها راحلا ، فهي جسر منصوب على بحر الهلاك ، قد أبادت من القرون الماضية ،